ثمانيةَ عشرَ خريفاً متأخِّراً

١٠ أغسطس ٦:٣٢ مساءً

أنا الحيرة تسيل على الجبين فتلمعُ

أنا الضياع يشتّتُ الانفاس فلا تُجمعُ

لا أبصر إلا شيئا واحدا، طيفاً كان نقصه زائداً

أريد الحديث، فأتمتم، ثم أهمس، فأهرعُ

…أمشي، أهرولُ، أركضُ، ألهثُ

ثم أجدني في ذات النقطة.. أقبعُ

زوايا المكان تناديني و الأصوات في رأسي تناجيني

أدني رأسي لها قليلا لكني لا أسمعُ

أنا الأنَفةُ .. أنتِ العرب

أنتِ الحرفُ .. و أنا الكتب

أين السؤال؟ و ما السبب؟

“و الجواب- ان كان جوابا واحدا- “يا للعجب

عجبتُ من وحشة المكان و كأني لم أزره قط

علقت برأسي رائحته التي تشبه الخريف

فكل شيء-سواكِ-كان باهتاً يذبلُ

و كل رمشٍ مني يلامس طيفكِ فيخجلُ

أنا.. كنت جالساً على أريكة أظنها تستثقلني

أنتِ.. كنتِ كسحابة صيفٍ تعبرُ

أنتِ.. كنتِ ضوء قمرٍ وحيدٍ يتجوّل

…و كأن فيضا من الذكريات القديمة يزورني و أنا معبدٌ قديم

لتعود روحي زهرةً شرقيّة تتكلّلُ

:لتعود أحلامي لتشبه شعركِ

كأنه رياح البيدِ نسيمٌ مُثقلُ

و كأنه ستار الليل عليّ يسدلُ

أنا راهبٌ .. و أنتِ المِلل

أنتِ الحرب .. و أنا الوجَل

و العذرُ- ان كان عذرا واحدا- كان الخجل

تمر عيني بأعينكِ خِلسةً

فتهرعُ عيني متوّثبةً تهربُ

و تتسارع الأفكار في رأسي تتقلّب

:و الأنفاس في صدري 

!متفرقّةٌ، متشوّقة تتلهّب

كأنها النارُ على علمٍ قديمٍ هجره النبلاء

فنصبّوا أنفسهم على الناسِ أعلاما لا ترفرف

:فقام الناس كلّهم ثائرينَ، و يسألون

“من للوجيع منّا سندْ؟”

“من للناقص منّا مددْ؟”

“من لكرومنا، لنبيذنا؟”

“من لغدٍ نترقبّه؟ من لأمسٍ نتذكرهُ؟”

“!هل منكم أحدْ؟”

صمتُ النبلاءِ صمتي و خوفُ الرعاع خوفي

و العدلُ زائفٌ يجاري ضربةَ الدفِّ

غير أنّ الثوّار في روحي تأهبّوا باسلينْ

يهتفون باسمكِ ترنيمةً للأجلْ

و يتمثلونكِ تجلياتٍ من أملْ

…و الكل بات مملوكا، مسبيّا، أسيراً

!تصوّري.. حتى البطل

أنا السفر الطويل .. و أنتِ الطرق

أنتِ نسيم عابرٌ .. أنتِ الشفق

…و المصيرُ -ان كان مصيرا واحدا- كان الغرق

…ها أنا أكتب مجدّداً 

و كنت أظنّ الأحرف هجرت و كلّت

و الأقلام جفّت و تخلّت

…كنت أظن الوحيَ ينساني

يراعتي لم تعد لي كعادتها

و النقاط على حروفي باهتةٌ تتداعى

!كنت أظن الشعرَ ينعاني

أنظر إلى بسمتكِ فأرى الحلم الذي أريد

!و أحلامي بعيدةٌ… عديدةٌ… عنيدةٌ

كقطرات ندىً صبيحةَ يومٍ جديد

!و ذاك الصباح يشبهك، يشبه بسمتكِ جداً

أراني قلباً مثقلاً .. و أراكِ إيماني

أنا حلمٌ تائهٌ .. و عيناكِ أوطاني

!يا للحظة

…فالحلم- إن كان يأسرني و يقتلني- فثغركِ لا ينفكُّ يرعاني

:أفيق على نفسي كلَّ مرة و أسأل

“في عينيكِ كل هذا؟”

،كل الأسئلة، كل الأخيلة 

…و العهد القديم

عيناكِ كانت بوادٍ لا وجود لها

الرمل فيها خيوطٌ من سديمْ

و الغيث فيها دمع مستديم

ليلها صبحٌ غائمٌ، و الصبح فيها عتيمْ

،عيناكِ كانتا صرحاً دافئاً 

…عيناي كانتا طفلاً يتيمْ

التقيتكِ ظلّا بارداً، فأطلتُ الجلوس

فأنتِ راحٌ معتٌق، و أنا قرعُ الكؤوس

!يا للشّمسِ و يا للنّبيذ

…فالكأس-و إن كان قديماً مهملاً- أمال الرؤوس

 

Leave a comment